عدد الزوار: 391119
» أخبار المنطقة » أخبار عامة
التعددية والتنوع في الواقع الثقافي المعاصر عدد القراءات [914]
 
في أمسية ثقافية كانت غنية بالمعلومات المفيدة أقام منتدى العوامية ندوة بعنوان "التعددية والتنوع في الواقع الثقافي المعاصر"، استضاف فيها الدكتور نادر كاظم من مملكة البحرين الشقيقة وذلك مساء يوم الخميس 18 ربيع الآخر 1429هـ الموافق 24 أبريل 2007م ، بدأها مدير الندوة المهندس نضال الفرج بمقدمة قصيرة ذكر فيها تاريخ المتغيرات الدولية التي هدَّدت أمن وسلامة المجتمعات الإنسانية، مؤكِّدًا أهمية تنظير وتطبيق مبدأ التعدُّدية والتنوع الثقافي لكل المجتمعات، وفي نهايتها سردٌ لأسئلة أربعة ترتبط بموضوع التعددية والتنوع، توقع من المحاضر الإجابة عنها.

ثم بدأ الدكتور المحاضر بإجابة السؤال المرتبط بالخطر الذي يواجه التعددية الثقافية، مشيرًا إلى أن هاجس الخوف الأساس الذي كان يسكن البشر من العولمة في تباشيرها الأولى هو هجرانهم هوياتهم الثقافية، ومن ثمَّ أدواتهم وسلعهم المحلية، كنتيجة حتميَّة للهجمة الشَّرسة للعولمة. ثم عاد المحاضر ليؤكِّد ما دار في خَلَدِ منظِّري ما بعد الحداثة من خطر العولمة الذي بات يهدِّد ثقافات العالم والتنوع البشري، ليس لكونها عاملاً في إقصاء الهويات والثقافات المحلية لصالح ثقافة عالمية، وإنَّما هو تصاعد موجات الانغلاق والانكفاء الثقافي لكل هوية تشعر أنها مهددة، وليس هذا محصورًا في دول العالم الثالث فحسب، بل تعدَّاه إلى دول العالم الأول، حتى إن بعض المنظِّرين كان يطلق على القرن الثالث عشر قرن الطبقات، في حين أنَّ القرن العشرين هو قرن الهويات.

بعد إجابة سؤال مدير الندوة، سرد المحاضر حكاية صديقه السوداني الذي تشكلت لديه، منذ أن كان عمره عشرين سنة، عدة هويات بدأ على أساسها يتعامل مع أفراد المجتمعات التي انخرط فيها، جرَّاء تنقُّله من بلده، حيث إنه عربي مسلم، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعاملوا معه على أنه أسود، ثم أخيرًا استقراره في البحرين للعمل، حيث إنه ليس بعربي مسلم ولا أسود، ولكنه سُنِّي، وهو الآن يشعر بأنه وافد، بسبب تصاعد موجة الخوف من الأجانب من قبل أهل البحرين، سنة وشيعة، مستنتجًا في النهاية أن كلَّ فرد يستبطن في داخله سلسلة معقدة وهائلة من الهويات ذات أبعاد ومستويات مختلفة، وما يحدث هو أنَّ الفرد يصدِّر في الواجهة هوية واحدة منها تبرز إلى الواقع ضمن ظروف معينة تفرض عليه، وقد تتعدَّى هذه الهويات إلى القرية أو الحيِّ الذي يقطنه الفرد، أو إلى أساس عمره الزمني أو جنسه.

ونظرًا لتعدُّد الهويات، لفت المحاضر أنظار مستمعيه إلى أنَّ الهوية التي سيتحدث عنها في المحاضرة هي الهوية المهيمنة والحاضرة في وعي الأفراد، والتي تغيب سلسلة الهويات التي يكتنزها كلُّ فرد، مشيرًا إلى أنَّ هناك تنظيرات كثيرة معقدة في كيفية حصول تغيُّر في هوية الفرد تعتمد على ظروف كل مجتمع.

ويمكن إجمال النقاط الرئيسة التي كانت هيكل المحاضرة في أسئلة ثلاثة طرحها الدكتور، مبتدئًا بتساؤل عن الباعث وراء وجود تنوع بشري لدى البشر، أو تصدير هوية من الهويات في مقابل كل الهويات الأخرى.

ففي معْرِض إجابته عن هذا التساؤل، شرع بذكر بديهية الاختلاف بين أيِّ فردين من البشر، سواءً في العمر أو الجنس أو الطائفة أو العرق أو المنطقة، مع ملاحظة أن هذا الاختلاف فيه اشتراك مع الفرد في القواسم العامة من الهويات والمشتركات. ثم نقض الفرض القائل بأنه يكفي لتشكيل مجموعة هويات وثقافات داخل المجتمع وجود مجموعة أفراد ينتمون إلى أعراق وقوميات مختلفة، بقوله إننا قد نجد مجموعة تنسحب عليهم الصفة المذكورة، إلاَّ أنهم يتصورون أنفسهم على أنهم ينتمون إلى هويتين وثقافتين مختلفتين، مستشهدًا بمثال العربي المسلم والعربي المسيحي، حيث يشكلان هوياتهم بناءً على اختلاف الدين، لا على اشتراك القومية. ثم خرج بنتيجة فحواها أن القومية ليست شرطًا ضروريًّا وكافيًا لتشكيل هويات متنوعة ومختلفة، بدليل أننا نجد أبناء هوية واحدة مختلفين تدور بينهم رحى حروب لا تُحمد عقباها.

ثم ذكر الباعث الآخر المفترض، في تكوين هويات مختلفة، ألا وهو اشتراك الناس في الدين وفي الهوية الدينية، ناقضًا إيَّاه بطريقة مشابهة لنقض الفرض الأول، إذْ إننا قد نجد أبناء الدين الواحد يختلفون في أمر أو مستوى ما ويشكلون هوياتهم بطريقة مختلفة، مثل المسلم العربي والفارسي والهندي وغيره. وكل هؤلاء ربما تندلع حروب بينهم، مثل حرب إيران والعراق، حيث لم يشفع لهم كشعبين مسلمين في منع تقاتلهم. مؤكدًا بعد ذلك أن كل المشتركات أو القواسم التي نفترض أنها شروط تكوينية للهويات يمكن نقضها بالحجة نفسها.

ثم عطف عنان الحديث ليذكر الأمر الحاسم الذي يؤسِّس له ويذهب إليه في تشكيل هوية البشر، هو سلسلة ظروف معقَّدة ليس من الصعب تحليلها إلاَّ ضمن حالات تاريخية محدَّدة، غير أنَّ إرادة الأفراد أنفسهم في أن ينظروا إلى أنفسهم ليكونوا أمة أو هوية مشتركة، شرط أوَّليّ لتتكون هوية، أي أنْ يشعر مجموعة أفراد فيما بينهم قاسم مشترك وأمور كثيرة مشتركة، هذه الإرادة والرغبة لا تتطلب ولا تحتاج إلى قواسم مشتركة وموجودة على أرض الواقع، فكثير من البشر كانوا في يومٍ ما هويات متفرقة حصلت ظروف وحَّدتهم، فالقواسم الموحَّدة عادة ما تكون نتيجة لاحقة لقرار تشكيل أمة أو هوية مشتركة، والآن مع نشوء الدول صارت هذه مهمة الدولة في إطار أجهزة الإعلام والتعليم والتربية والدعاية الرسمية بصورة عامة.

أما الشرط الآخر، الذي ذكره لتكوُّن الهوية، هو إرادة الاختلاف عن الآخرين والمجموعات الأخرى، وهو سببٌ كافٍ لأنْ يشكل البشر هوية مشتركة فيما بينهم، وهو أمرٌ واضح على الأغنياء والأثرياء الذين تحرِّكهم رغبات دفينة وملحَّة ليظهروا أنفسهم على أنهم مختلفون عن أبناء الطبقة الوسطى أو الفقيرة، وبالتالي يبحثون عن قواسم كثيرة توحِّد فيما بينهم في أنواع اللباس والسيارات والمباني حتى في بعض الأحيان في السلوك والألفاظ واللغة التي يتحدثون بها، لا لشيء، إلاَّ ليظهروا للآخرين أنهم مختلفون عنهم، ويعتقد المحاضر أن رغبة الاختلاف والتمايز عن الآخرين هي رغبة حاسمة تفرض على المجموعات الأخرى أيضًا على أنها تختلف عن المجموعة الأولى، وعادة البشر يشكلون هوياتهم بطريقة سلبية، وبهذين الشرطين يظهر لنا أن التنوع على أرض الواقع واختلاف البشر ليس مطابقة أو انعكاسًا للتنوع الثقافي الموجود على الأرض.

أما السؤال الآخر المتعلِّق بكيفية تعامل البشر طوال تاريخهم مع هذا التنوع والتعدديات التي تتشكل على أسس لها أول وليس لها آخر من دين ولغة إلى قومية وطائفة ومنطقة وقبيلة وإلى أسرة إذا كانت ممتدة، فقد كان التاريخ شاهدًا على تبنِّي سياسة نبذ الآخر وعدم القبول والاعتراف به، مما أدَّى إلى إنكار كلِّ تنوع موجود على الأرض. ومع هذا، وُجِدتْ أديان قادرة على استيعاب الآخرين مع اختلافهم، كالدين الإسلامي والمسيحي، غير أنَّ هذه القدرة قد ضَمُرت بنشوء الدول في العالم، الأمر الذي تغيَّر تبعًا له شكل البشرية كلِّها، فثمَّة أنموذج نشأ في الدولة الغربية، لا سيَّما في الدول القومية، مثل فرنسا وألمانيا، وهو الدولة الأمة، وهي أمة تطابق وجودها مع دولة قد لا يتطابق حدود امتدادها مع حدود امتداد هوية ثقافية معيَّنة، إذْ قد يوجد في دولة واحدة مجموعة من الأمم وهويات متعددة، وقد يحدث العكس تمامًا، إذْ قد توجد دولة أحد أجزائها في دولة، والجزء الآخر في دولة أخرى، وأفرادها أبناء أمة وحدة، ممثِّلاً بالبحرين والأحساء والقطيف كأنموذج بارز لهذه القضية. وكان من نتائج انتقال هذا الأنموذج إلى هوية ممتدة خارج الدولة حدوث مشكلة وسلسلة من الأزمات داخل هذه الدول، مُرجعًا سبب تلك الأزمات إلى رغبة بعض الطبقات السياسية في فرض أنموذج الدولة الأمة في دولة تعددية أساسًا، أو فشل هذه المجتمعات في تشكيل صيغة سياسية تتجنب الأزمات التي تنتج عن طريق وجود دولة ضمن أمم أو هويات متعددة.

والسؤال الأخير في محاضرة الدكتور نادر كان عن كيفية تعامل البشر، مع تنوعاتهم وتعددياتهم، مع نشوء الدولة، إذْ قدَّم أنموذج الإبادة الجماعية في دولة تنشأ، والجماعة المهيمنة تتسلم الحكم ولكن لا تتقبل وجود أقوام آخرين وأبناء قوميات وثقافات أخرى، فإما الإبادة لهم أو تهجيرهم على أقل تقدير، كشكل أول بشع تعاملت به الدول مع تعددياتها التي تنطوي ضمن نطاقها.

أما الشكل الآخر فهو الهيمنة، فالماسكين بالحكم من أبناء هوية معينة لا يعمدون إلى الإبادة أو التهجير الجماعي بل يعمدون إلى فرض هيمنتهم كأمة على أبناء القوميات والأمم الأخرى، سواءً فرض هيمنتهم دينيًّا أو تعليميًّا في المدارس وفي وسائل الإعلام، وبالتالي كل سلوكيات أو آليات الدفاع الذاتي لدى أبناء القوميات المهمَّشة والمقصاة ستظهر في هذا النوع من المجتمعات.

وللحدِّ من ممارسة التهميش أو الهيمنة أو الإبادة والتهجير، اقترح المحاضر السعي لتنمية مفهوم المواطنة التي تجمع بين المواطنين والتاسِّيس إلى ما يُسمى بالدولة العلمانية، الذي هو أساس نشوئها. وهذا الحل المقترح على ما فيه من مثاليات أو إيجابيات، تكتنفه محاذير عدَّة، منها مشكلة احتمال تحول الحرص على تحييد الدولة إلى أيدلوجية، مما يؤدي إلى وجود علمانيين تفضلهم الدولة على المتدينين، باعتبار العلمانية أيدلوجية تتطلب التقديس والدفاع عنها والحرص والمحافظة عليها.

والمحذور الثاني هو نظرة بعض الناس إلى أن كل المشكلة في التعدديات تحل في تطبيق قانون موحَّد على كل البشر، في حين أن القانون الذي سيوحِّد بين المواطنين هو القانون الموحَّد الذي سيحترمه المواطنون كلُّهم، وبالتالي ستنتفي أيّ أزمات سياسية أو جماعية داخل هذه الدولة، وهو تصور يراه المحاضر بأنه يقوم على إفراط مبالغ فيه، في نزاهة من سيشرِّع القانون، لأنهم بشر قد يتحيَّزون إلى جماعة معينة أو قومية معينة وقد يسنون قانونًا ضمن ظروف معيَّنة، وبالتالي يسيئون إلى أبناء جماعات معينة.

واختتم المحاضر حديثه بتسليط الضوء على أنموذج الديمقراطية التوافقية أو البديل التوافقي، وهو الذي ينشأ في دولة فيها تعدديات وتنوع عميق على أسس مختلفة، والتعددية التوافقية باختصار تتألف من ثلاث خواص، وهي:
- الخاصية الأولى: التمثيل النسبي لكلِّ أبناء الجماعات، أقليات أم أقليات في الانتخابات.
- والخاصية الثانية: أن يكون الحكم من ائتلاف واسع من كل أبناء الجماعات، أي لا يكون هناك تفرد بالحكم من أبناء جماعة معينة.
- والخاصية الثالثة: حق (الفيتو) المتبادل، أي أن يكون حق النقض مكفولاً لكلِّ جماعة صغرت أم كبرت في القضايا المهمة والحاسمة.
-والخاصية الرابعة: إعطاء استقلال نسبي لأبناء الجماعات ليديروا شؤونهم الدينية فيما بينهم، بصورة مستقلة عن الجهاز الرسمي للدولة.
ثم سرد عيوب هذا الأنموذج، ابتداءً حرمان أبناء الخارجين عن الطوائف والجماعات من نصيبهم، مرورًا بحتمية الهوية الجماعية إلزامًا لا اختيارًا، إضافة إلى عدم حصول أبناء الجماعة على حقوقهم بشكل عادل ما لم تتزلَّف هذه الجماعة إلى رئيسها أو ممثِّلها، وانتهاء بتوفير أرضية خصبة لنشوء ظاهرة الانتهازيين داخل الجماعة.

وخلاصة حديثه أنه ليس هناك من سبيل أمام المشكلات التي تنشأ عن طريق تعددياتها بصورة نهائية، فهي بين خيار تبنِّي أنموذج ديمقراطي ليبرالي بدون محاصصة أو توافقية، ولن يخلو هذا من ظهور الكثير من الأزمات، أو تبنِّي أنموذج توافقي فيه نسبة محدودة من الديمقراطية كافية لأن تجنِّبها الكثير من المشكلات والأزمات السياسية.

تلت المحاضرة مجموع من المداخلات والأسئلة لم يسع المجال للإجابة عليها كاملة ومنها:

مداخلة السيد إبراهيم الزاكي :

أثار الدكتور في بداية حديثه أثر العولمة في بلورة الهويات المعاصرة واعتقد أن هجمة ما يسمى بالعولمة أدت إلى استفزاز الهويات المتنوعة خصوصاًُ في المجتمعات ذات الثقافات العريقة مما أدى إلى أن تتحصن بهذه الثقافة هذه الملاحظة الأولى ، أما الملاحظة الثانية دوائر الهويات من الأمور الطبيعية والبديهية والسؤال كيف يمكن لهذه الهويات المختلفة أن تتعاون وتتكاتف من أجل إنتاج ثقافة مشتركة والسؤال الآخر لماذا تنجرف هذه الهويات إلى صدمات وصراعات مؤذية ودموية ، هل للعامل السياسي دور في استفزاز هذه الهويات واستغلالها لمصالح خاصة ومعينة ، والملاحظة الثالثة إشكالية تعارض الهويات هي إشكالية تاريخية وليست وليدة الدولة الحديثة التي يمكن القول أنها فاقمت المشكلة في المجتمعات التي لم تستطع تشكيل هوية مشتركة وهذه الإشكالية التاريخية هي بحاجة إلى عمل تاريخي مضني وممتد حتى يمكن تجاوز هذه الإشكالية وأيا كان الحل لهذه الإشكالية المهم أن يكون الإنسان وحقوقه وكرامته وقيمته هو المعيار لنجاح هذا الحل ، والملاحظة الأخيرة لا شك أن قيمة المواطنة وقيمته أصبح له حيز كبير في التداول الثقافي والإعلامي ، والسؤال إلى أي مدى يمكن لهذا المفهوم أن يملك حيز في ثقافة عموم المواطنين وما هي مسؤولية الدولة في نشر هذه الثقافة وتطبيق دلالاتها على أرض الواقع؟

الدكتور نادر كاظم:

في ما يتعلق بدوائر الهويات ومجموعة الهويات أو التعدديات أو الجماعات وما الذي يدفعها إلى أن تنزلق إلى الصراعات و النزاعات والحروب والتناحر في ما بينها وهذا سؤال معقد ونحن يجب أن نفترض أن البشر مترسخة فيهم العقلانية أي أن شخص لن يتخذ سلوك أو يلجأ إلى تصرف معين إلا بناء على حسابات هو قام بحسابها بكم من المنافع والمضار التي سوف يتكبدها من هذا التصرف ولكوني عقلاني سأفترض أن كل سلوك أو تصرف أقدمت عليه بإرادة واختيار سوف يجلب منافع لي أكثر من المضار وهذه هي الفرضية الأساسية. وهذا التصور يفترض أن تقدير البشر مختلف فما أتصوره منفعة بالنسبة لي هو قد يكون خسارة بالنسبة لشخص آخر.

ونحن دائماً نفترض أن البشر عقلانيون في تصرفهم بحيث يقدمون منافعهم على خسائرهم ، أحياناً أحكم على شخص معين على أنه قدم مضرة وأنه ذهب لحروب لا لشيء إلا لينقذ لغته أو لا لشيء إلا لينقذ دينه ، هذه الأمور لا أتصور أنا أنها تجلب منافع كبيرة لكن في حالة ذهبت إلى حرب سوف تجلب مضار وقد تكون أنت أحد ضحاياها، أنا لا أحسب المضار والمنافع بمقياس مادي ولا مقياس معياري ، قد يذهب شخص إلى أن الموت بشكل عام مضرة في حين يفترض آخر أن في الموت حياة ودفاع عن الوطن أو الدين أو القومية أو العائلة وشرف له والتالي منفعة له ، وهذه هي الفرضية الأولى .

كيف تنزلق الجماعات إلى التناحر والتنافس ، صدر لي كتاب في 2007 - طبائع الاستملاك قراءة في أمراض الحالة البحرينية - كنت أناقش هذه القضية والأسباب التي تجعل جماعة معينة أو هوية معينة أو مجموعة من الهويات إلى أن تنزلق إلى حد الفتن والتصارع في ما بينها أو إلى حد الحرب الأهلية في ما بينها ، والإجابة على هذا أنا أتصور أن الفتن والصراعات هو شر حاولت الأديان منذ زمن بعيد أن تكبح جماحه وأن تخفف من طاقة الشر الكامنة في البشر ، ومع الزمن اكتشفنا أن طاقة الشر لدى البشر من القوة بمكان أنها قادرة على أن تستوعب الدين وتجعله هو موضوع خصومة وما كان هو العلاج أصبح جزء من الداء ، فبدل أن يوحدنا الدين ويدعوا إلى الرحمة والتسامح وحب الآخر والمعاملة الحسنة أصبح الدين بشكل عام جزء من الخصومة والتنافس بين البشر.

مع نشوء الدول والتي كان من أسباب ظهورها أنها مشروع إنقاذي لمجتمع دخل في صراع في التنافس على الخيرات العامة الموجودة داخل الدولة ، نفترض أن مجموعة هويات وقوميات موجودة ضمن إقليم معين سوف يحصل بينها صراع على احتكار الخيرات المادية من ماء وغيره.

نفترض أن مجموعة تعيش على ساحل معين وجميع أفرادها يعيش على صيد الأسماك وإذا كان السمك في هذا البحر قليل ، فبصورة عامة سوف تجد أن الأخلاقيات العامة في هذا المجتمع هي أخلاقيات التحاسد والحقد والأنانية لان الكل يريد أن يحصل على هذا الخير على حساب الآخرين لأنه يتوهم أنه إذا لم يحصل على هذا الخير فإن الآخرين سوف يبادرون لاستملاك هذا الخير ، وأتصور أن جزء أساسي في سبب التصارع والتنافس بين الجماعات يرجع إلى طبائع الاستملاك لأن البشر مدفوعين دفعاً في كثير من الأحيان بصورة غريزية لاستملاك ما يقع تحت يدهم وحرمان الآخرين من هذا الخير. وقد نشئت الدولة للقضاء على هذا الموضوع فهي مشروع إنقاذي للبشر حيث أصبح هذا الخير الموجود في ذاك الإقليم ، أوكل مهمة المحافظة عليه وتوزيعه بين الناس إلى جهاز إداري عام يطلق عليه اسم الدولة، حتى هذا استطاعت الطاقة الشريرة لدى البشر أن تستوعب الدولة وتحولها إلى موضوع للتنافس وأصبح التنافس ليس على الخيرات العامة ولكن على استملاك الدولة نفسها ، وأصبحت الدولة مسرح للتنافس أما على الخيرات العامة واستملاكها وأما هي تنخرط في مسرح الصراع بين الجماعات المتنافسة على الخيرات العامة في الدولة ، فجزء أساسي من الصراع بين البشر هو التنافس على الخيرات العامة التي ربما تكون خيرات مادية أو رمزية.

صحيح كانت الهويات موجودة قبل نشوء الدولة ، وأن الذي حصل مع الدولة هو أن الدولة عادة تكون أكثر صرامة في تحديد الهوية ، فهوية الدولة التي عادة هي هوية حدود امتداد الإقليم السياسي هي أمر صارم لا يقبل التبدل أو المرونة والأخذ والعطاء ، في حين تاريخ البشر كله وهذا الفهم المقلوب الذي نتعامل فيه في تاريخ الهويات في التاريخ ، أن تاريخ البشر في تعاملهم مع الهويات أنهم كانوا يتعاملون مع الهويات بصورة مرنة أي أن الهويات تتبدل وهويات تتسع وبعضها يتفرق وهكذا مع الزمن ، فالهويات مع التاريخ كانت أكثر مرونة مما هو الحاصل الآن في نشوء الدولة أصبحت الهوية أمر صارم لا يقبل المرونة .

مداخلة الحاج منصور سلاط :

أستاذي الفاضل أيها الصديق القديم الجديد أهلا بك بين أخوانك و بين من يكنوا لك جزيل الاحترام ، ألا يمكن أن يكون تحليل الدولة الضرورة تستعدي خطه الأساسي وهو إيجاد مؤسسات المجتمع المدني الذي يحمي الدولة من أي هيمنة على فئات المجتمع وأظن أن الوضع المعاصر وتقدم التعليم المعاصر بمفاهيمه المعاصرة سوف لا يترك مجالاً لهذه المخاوف التي ذكرتها؟
ألا تعتقد معي أن الوقت الذي أسهبت فيه عن تنوع الهويات هو حاصل بشكل صارخ في المجتمعات ما قبل الدولية و أن التقدم العلمي والتقني أي الدخول بما يسمى بالدولة رأسمالية سيبقي الجميع في دستور حضاري يضمن للجميع حق الحياة والمواطنة؟
أستاذي الفاضل أنا عندي تصور عن العولمة وهي عبارة عن منجز علمي رفيع حقق للإنسانية نقلة كبيرة وهذه العطاءات حققتها الرأسمالية ولكن العيب فينا في عدم قدرتنا على حسن التعامل معها ، والخطر الذي ممكن أن تمارسه هو تكريس هذه التشظيات في المجتمعات المتخلفة وإبقائها في ما هي عليه في مقابل هيمنتها في شتى المجالات؟

الدكتور نادر كاظم:

طرح الأستاذ أن تحييد الدولة ممكن أن يكون من دون العيوب التي ذكرتها أثناء الحديث من خلال الأخذ بقوة المجتمعات المدنية بعين الاعتبار ، طبعاً جزء كبير من هذا الكلام صحيح فالدول ذات التعدديات الثقافية عادة ما تكون ضمن مؤسسات المجتمع المدني بشكل مباشر أو غير مباشر إلى شكل المجتمعات التقليدية ، ستجد مؤسسات أهلية وكلها مؤسسات مجتمع مدني ولكن كلها كما لو كانت مصنفة طائفياً أو دينياً أو عرقياً لذلك هناك كثيرون من المهتمين بالمجتمع المدني النموذج المجتمعات الأهلية مؤسسات المجتمع الأهلي لأنها في حقيقة الأمر ليست مجتمع مدني بل أساس تكون المجتمع المدني حرية ارتباط الأفراد أن الفرد حر في أن يرتبط مع هذه الجماعة أو لا يرتبط ، حرية الدخول والخروج من الجماعات هي شرط أساسي في المجتمع المدني ثم تأتي الشروط الأخرى. الحاصل في مجتمعاتنا أن مؤسسات المجتمع المدني هي أساساً إفراز إلى طوائف أو أعراق أو أديان حتى لو كانت في بادئ أمرها كمؤسسات مجتمع مدني إلا أنها مع الزمن تبدأ طوائف أو أعراق في استيعابها وستجد في زمن من الأزمان جمعية من جمعيات المجتمع المدني كانت موحدة ومع الزمن افترقت إلى جمعية تخص المسلمين أو المسيحيين وأخرى تخص السنة أو الشيعة الأصل أن المشكلة موجودة في الدولة وموجودة في مؤسسات المجتمع المدني فكأنها معطلة في دولنا لتعرق والأمر الثاني أن الدولة هي أساساً من يقود المجتمع المدني إلى الضعف والتراجع وإلى أن يكون أحياناً هو غير الدولة وبدلاً من أن يدافع عن الأفراد يذهب ليدافع عن الدولة ضد الأفراد ، وإذا كانت المجتمعات الليبرالية والتي قطعت شوط في التحلل من جماعاتها إذا كانت وصلت إلى مرحلة تطالب بأن يكون المجتمع المدني حتى لا تتقدم عليه فإن المجتمعات التي نعيش نحن فيها ولأسباب مختلفة نشئت فيها المجتمعات المدنية لا لأن تكون وسيط بين الفرد والدولة ولكن لكي تكون وسيط بين الفرد والطائفة التي ينتمي إليها وبين الفرد أو العرق الذي ينتمي إليه أو القومية التي ينتمي إليها وهنا المشكلة الأساسية حيث صارت مؤسسات المجتمع الأهلي ليست وسيط لتدافع عن حقوق الفرد من الدولة بل هي وسيط لتحمي الفرد جور الجماعة التي ينتمي إليها لو خرج عنها وهذه المشكلة الأساسية في هذه القضية.

أما بخصوص أن الهويات كانت موجودة قبل المجتمع الرأسمالي في حين صعد المجتمع الرأسمالي بدأت الهويات تتحلل وتتراجع. أكثر دولة رأسمالية هي الولايات المتحدة الأمريكية وهي قارة في دولة وهي أم التعدديات الثقافية والعرقية والقومية في العالم ولم تنتهي هذه القوميات والعرقيات في المجتمع الرأسمالي بوجودها ، نعم الرأسمالية ميزتها أنها تصدر سلع يستهلكها مجموعة أفراد لكن الحاصل أن البشر الذين يستهلكون نفس السلع يستهلكونها بطرق مختلفة ويتعاملون معها بطريقة مختلفة ، فالمسلسل أو الفلم الذي يشاهد في جميع أنحاء العالم والذي أنتجته شركة واحدة لكن كل مجتمع يتلقاه ويستهلكه بطريقة مختلفة وبالتالي يحافظون على تنوعهم واختلافهم لأننا لم ننتج معايير موحدة لتنتج بشر موحدين.

وبعد ختام المداخلات جاءت الفقرة التكريمية والتي اعتاد منتدى العوامية على تقديمها في كل ندوة وقد قرأها الأستاذ نضير عبدالعظيم الزاهر وخصصت للطبيبات الاستشاريات في العوامية وهن كلاً من:

الدكتورة نهاد جعفر باقر الفرج. ( استشارية أطفال وأمراض الجهاز الهضمي والكبد والتغذية )
الدكتورة مليكة عبدالمجيد حسن الفرج. ( استشارية النساء والولادة بمستشفى الظهران التابع لأرامكو السعودية )
الدكتورة سماهر سعود علي الفرج. ( استشارية النساء والولادة بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني بالرياض )
الدكتورة غنيمة علي عبدالله الزاهر. ( استشارية أطفال بمستشفى القطيف المركزي )

وقد سلم الدروع كلاً من المدير الطبي بمستشفى القطيف المركزي الدكتور حسن عبدالمجيد الفرج ونائب رئيس المجلس البلدي بمحافظة القطيف المهندس نبيه آل إبراهيم ، ثم تسلم الضيف الكريم درعاً تذكارياً من يد رائد العمل الاجتماعي بالعوامية الأستاذ عبدالله علي آل نمر ( أبو طالب ) بعدها أخذت الصور الجماعية مع الضيف.





المناطق | الآثار | الأعلام | التراث الإنساني | الحياة الإقتصادية | الثقافة والتعليم | المؤسسات الإجتماعية | النشاطات الأهلية | البرامج الدينية | الأبحاث والمقالات | اصدرات | أخبار المنطقة | بحث متقدم | الذاكرة البصرية | الخدمات العامة | دليل المواقع | الموسوعة والإعلام